السيد كمال الحيدري

360

دروس في التوحيد

4 . لا منافاة بين دور الملائكة المتمثِّل بالتوسّط في التدبير وبين ما يظهر من آيات قرآنية أخرى من أنّ بعضهم أو جميعهم مداومون على عبادة الله وتسبيحه والسجود له ، كما في قوله سبحانه : وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ * يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ ( الأنبياء : 19 - 20 ) ، وذلك لجواز أن تكون عبادتهم وسجودهم وتسبيحهم عين عملهم في التدبير وامتثالهم الأمر الصادر عن ساحة العزّة والجلال بالتوسّط « 1 » . من الآيات التي تبيّن دور الملائكة كوسائط في التدبير الكوني قوله سبحانه : وَالنَّازِعَاتِ غَرْقاً * وَالنَّاشِطَاتِ نَشْطاً * وَالسَّابِحَاتِ سَبْحاً * فَالسَّابِقَاتِ سَبْقاً * فَالمُدَبِّرَاتِ أَمْراً ( النازعات : 1 - 5 ) . فمع اختلاف المفسرين في تحديد المراد من الآيات الأربع الأولى ، إلّا أنّه لا يخفى ميولهم إلى أنّ النازعات والناشطات والسابحات والسابقات هي صنوف من الملائكة يقوم كلّ منها بمهمّة ، إذ قيل مثلًا إنّ المراد من " النازعات " ملائكة الموت تنزع الأرواح من الأجساد ، ومن " الناشطات " الملائكة التي تُخرج الأرواح من الأجساد أيضاً مع فارق أنّ " النازعات " خاصّة بالملائكة التي تنزع أرواح الكفّار من أجسادهم بشدّة ، بينما " الناشطات " خاصّة بنزع أرواح المؤمنين . وقيل في " السابحات " أنّها الملائكة التي تنهض بمسؤولية الأرواح فتسرع بروح المؤمن إلى الجنّة وبروح الكافر إلى النار ، كما قيل في " السابقات " أنّها مطلق الملائكة لأنّها سبقت ابن آدم بالخير والإيمان والعمل الصالح . لكن هذا الاختلاف في الآيات الأربع لم يمنع اتفاق الكلمة على أنّ المراد من الآية

--> ( 1 ) ما ذكرناه عرض بتصرّف لبحث السيّد الطباطبائي عن الملائكة وأنّها وسائط في التدبير الربوبي . ينظر : الميزان في تفسير القرآن : ج 20 ، ص 182 فما بعد ، حيث ساق البحث بمناسبة الحديث عن تفسير الآيات الخمس الأولى من سورة النازعات .